الواقدي ( رواية ابن أعثم الكوفي )
228
كتاب الردة ( مع نبذة من فتوح العراق وذكر المثنى بن حارثة الشيباني )
قال : فلما فرغ عبد المسيح من شعره هذا قال له خالد : ( من أين أنت ) ، قال : ( من الدنيا ) ، قال : ( من أقصى أثرك ) ، قال : ( من صلب أبي ) ، قال : ( من أين خرجت ) ، قال : ( من بطن أمي ) ، قال : فتبسم خالد ، فقال : ( في أي شيء جئت ) ، قال : ( في ثيابي ) ، قال : ( ويحك فعلى أي شيء أنت ) ، قال : ( على الأرض ) ، قال خالد : ( ما أراك تزيدني إلا عمى ) ، قال : ( أفتعقل أم لا ) ، قال : ( نعم أعقل وأفيد ) ، قال خالد : ( أنا أكلمك كلام الناس ) ، قال : ( وأنا أجيبك بجواب الناس ) ، قال خالد : ( فما أنتم ) ، قال : ( نحن من ولد آدم ) ، قال : ( فسلم أنت أم حرب ) ، قال : ( بل سلم ) ، قال : ( فعرب أنتم أم نبط ) ، قال : ( عرب استنبطنا وسط الفرس ) ، فقال : ( الله أكبر ، بعد حين وقعت على نحو كلامي ، خبرني الآن لأي شيء بنيتم هذه ) [ 1 ] ، قال : ( بنيناها للسفيه [ 2 ] حتى يجيء الحليم فيمنعه من ظلمنا ) ، قال خالد [ 3 ] : ( إنّي أرى يدك مضمومة على شيء ، فخبرني ما في يدك ) ، قال عبد المسيح : ( في يدي سم ساعة ) ، قال خالد : ( ما تصنع به ) ، قال : ( جئت به [ 4 ] معي ، فإن كان منك إلينا ما يوافق قومي فذلك الذي أريد ، وإن كانت الأخرى شربت هذا السم واسترحت من هذه الدنيا ، فقد طال عمري فيها ) ، فقال خالد : ( أرني هذا [ 5 ] السم حتى أنظر إليه ) ، فدفعه إليه فأخذه من راحته ، ثم قال : ( بسم الله خير الأسماء ، بسم الله رب الأرض والسماء ، بسم الله الذي خالق خليقته من الماء ) ، ثم ألقى السم في فيه وبلعه ، فجعل يرشح عرقا ولم يضره شيئا . ثم أقبل على عبد المسيح فقال : ( اتقوا ربكم الذي خلقكم ، وإليه منقلبكم ومعادكم وادخلوا في دين الإسلام ، فإنكم قوم عرب ، وقد جئتكم بقوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة ) . فقال عبد المسيح : ( أرقب
--> [ 1 ] أي الجدران ، انظر كتاب الفتوح 1 / 79 : ( هذه الجدران لما ذا رفعتموها ) . [ 2 ] في الأصل : ( للصفية ) . [ 3 ] في الأصل : ( ما تصنع به ) ، وهي مكررة في السطر الثاني . [ 4 ] في الأصل : ( جبته معي ) ولعلها من عامي الناسخ . [ 5 ] في الأصل : ( هذه ) .